أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
242
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
اللغة : « الحدّ الفاصل بين الشيئين » وحكي عن أهل هجر أنهم إذا كتبوا بيع دار قالوا : اشترى فلان الدار بمصورها « أي » : حدودها ، وأنشد : 507 - وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به * بين النهار وبين الليل قد فصلا « 1 » قوله : ما سَأَلْتُمْ « ما » في محلّ نصب اسما لإنّ ، والخبر في الجارّ قبله ، و « ما » بمعنى الذي والعائد محذوف ، أي : الذي سألتموه . قال أبو البقاء : « ويضعف أن يكون نكرة موصوفة » يعني أنّ الذي سألوه شيء معين فلا يحسن أن يجابوا بشيء مبهم . وقرئ : « سلتم » مثل : بعتم ، وهي مأخوذة من سال بالألف ، قال حسان - رضي اللّه عنه - : 508 - سالت هذيل رسول اللّه فاحشة * ضلّت هذيل بما سالت ولم تصب « 2 » وهل هذه الألف منقلبة عن ياء أو واو لقولهم : يتساولان ، أو عن همزة ؟ أقوال ثلاثة سيأتي بيانها إن شاء اللّه في سورة المعارج . قوله : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ « ضربت » مبنيّ للمفعول ، « الذّلّة » قائم مقام الفاعل ، ومعنى « ضربت » أي : ألزموها وقضي عليهم بها ، من ضرب القباب ، قال الفرزدق لجرير : 509 - ضربت عليك العنكبوت بنسجها * وقضى عليك به الكتاب المنزّل « 3 » والذلّة : الصّغار ، والذّل بالضم ما كان عن قهر ، وبالكسر ما كان بعد شماس من غير قهر ، قاله الراغب . والمسكنة : مفعلة من السكون ، لأن المسكين قليل الحركة والنهوض ، لما به من الفقر ، والمسكين مفعيل منه إلا أنّ هذه الميم قد ثبتت في اشتقاق هذه الكلمة ، قالوا : تمسكن يتمسكن فهو متمسكن ، وذلك كما تثبت ميم تمندل وتمدرع من النّدل والدّرع ، وذلك لا يدلّ على أصالتها ، لأن الاشتقاق قضى عليها بالزيادة . وقال الراغب : « وضربت عليهم الذّلّة والمسكنة : فالميم في ذلك زائدة في أصحّ القولين » وإيراد هذا الخلاف يؤذن بأنّ النون زائدة ، وأنه من مسك . قوله : وَباؤُ ألف « باء بكذا » منقلبة عن واو لقولهم : « باء يبوء » مثل : قال يقول ، قال عليه الصلاة والسّلام « أبوء بنعمتك عليّ » « 4 » والمصدر : البواء ، وباء معناه رجع ، وأنشد بعضهم : 510 - فآبوا بالنّهائب والسّبايا * وأبنا بالملوك مصفّدينا « 5 » وهذا وهم ، لأنّ هذا البيت من مادة آب يؤوب فمادته من همزة وواو وباء ، و « باء » مادته من باء وواو وهمزة ، وادّعاء القلب فيه بعيد لأنه لم يعهد تقدّم العين واللام معا على الفاء في مقلوب وهذا من ذاك .
--> ( 1 ) لبيت لعدي بن زيد ، انظر ديوانه ( 159 ) ، القرطبي ( 1 / 429 ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 443 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 2 / 130 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 4 / 122 ) ، المحتسب ( 1 / 90 ) ، الكشاف ( 4 / 445 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 2 / 715 ) ، القرطبي ( 1 / 430 ) . ( 4 ) أخرجه من رواية شداد بن أوس رضي اللّه عنه البخاري ( 11 / 97 ) ، في الدعوات باب أفضل الاستغفار ( 6306 ) . ( 5 ) البيت من معلقة عمرو بن كلثوم ، انظر شرح المعلقات للتبريزي ( 416 ) ، الشنقيطي ( 105 ) ، القرطبي ( 1 / 430 ) .